السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
183
مختصر الميزان في تفسير القرآن
اللعن مختلف فإنه من اللّه التبعيد من الرحمة والسعادة ومن اللاعنين سؤاله من اللّه ، وقد أطلق اللعن منه ومن اللاعنين وأطلق اللاعنين ، وهو يدل على توجيه كل اللعن من كل لاعن إليهم والاعتبار يساعد عليه فإن الذي يقصده لاعن بلعنه هو البعد عن السعادة ، ولا سعادة بحسب الحقيقة ، إلّا السعادة الحقيقية الدينية ، وهذه السعادة لما كانت مبينة من جانب اللّه ، مقبولة عند الفطرة ، فلا يحرم عنها محروم إلّا بالرد والجحود ، وكل هذا الحرمان إنما هو لمن علم بها وجحدها عن علم دون من لا يعلم بها ولم تبين له ، وقد أخذ الميثاق على العلماء أن يبثوا علمهم وينشروا ما عندهم من الآيات والهدى ، فإذا كتموه وكفوا عن بثه فقد جحدوه فأولئك يلعنهم للّه ويلعنهم اللاعنون ، ويشهد لما ذكرنا الآية الآتية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ - إلى قوله - أَجْمَعِينَ ، الآية ؛ فإن الظاهر أن قوله : إِنَّ للتعليل أو لتأكيد مضمون هذه الآية ، بتكرار ما هو في مضمونها ومعناها وهو قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا الآية استثناء من الآية السابقة ، والمراد بتقييد توبتهم بالتبين أن يتبين أمرهم ويتظاهروا بالتوبة ، ولازم ذلك أن يبينوا ما كتموه للناس وأنهم كانوا كاتمين والا فلم يتوبوا بعد لأنهم كاتمون بعد بكتمان أنهم كانوا كاتمين . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ، كناية عن إصرارهم على كفرهم وعنادهم وتعنتهم في قبول الحق فإن من لا يدين بدين الحق لا لعناد واستكبار بل لعدم تبينه له ليس بكافر بحسب الحقيقة ، بل مستضعف ، أمره إلى اللّه ، ويشهد بذلك تقييد كفر للكافرين في غالب الآيات والتكذيب وخاصة في آيات هبوط آدم المشتملة على أول تشريع شرّع لنوع الإنسان ، قال تعالى : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً - إلى قوله - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة / 39 ) ، فالمراد بالذين كفروا في الآية هم المكذبون المعاندون - وهم الكاتمون لما أنزل اللّه - وجازاهم اللّه تعالى بقوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، وهذا حكم